تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
عشرون قرنًا من الإيمان في أرض مصر
لمحة تاريخية موثقة عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من كرازة مارمرقس في القرن الأول إلى العصر الحديث: البطاركة، المجامع، الرهبنة، عصر الشهداء، والانتشار العالمي.
التأسيس الرسولي
تفخر الكنيسة القبطية بأنها من أقدم كنائس العالم: أسسها مارمرقس الرسول، كاتب الإنجيل الثاني، في الإسكندرية نحو 42-61م بحسب التقليد الكنسي. دخل الإسكندرية، وشفى حذاء أنيانوس فآمن وصار أول أساقفتها. استشهد مارمرقس في عيد سيرابيس الوثني (نحو 68م)، وخلفه أنيانوس ثم ميليوس.
الجذور الكتابية
دخول المسيحية إلى مصر له خلفية كتابية: هروب العائلة المقدسة إلى مصر (متى 2: 13-15) الذي بارك أرضها، ونبوة إشعياء: «في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر» (إشعياء 19: 19) التي تراها الكنيسة نبوة عن كنائس مصر. واليهود المصريون كانوا حاضرين يوم الخمسين (أعمال 2: 10).
عصر الشهداء
حملت الكنيسة المصرية الصليب منذ نشأتها: اضطهادات نيرون ودوميتيان وتراجان، ثم أعنفها اضطهاد دقلديانوس (303-311م) الذي قُدّرت شهداؤه بمئات الآلاف، حتى جعلت الكنيسة بدء تقويمها من سنة توليه (284م) — «سنة الشهداء»، التقويم القبطي المستخدم حتى اليوم. ومن أعلام العصر: مارمينا وأبادير وأبساي وأبامون وشهداء أنصنا والأشمونين.
عصر المجامع والآباء
قادت الإسكندرية الدفاع عن الإيمان المستقيم: أثناسيوس الرسولي في نيقية (325م) وضد الأريوسيين نصف قرن، وكيرلس عمود الدين في أفسس (431م) ضد نسطور. ثم جاء خلقيدونية (451م) فرفضت الكنيسة المصرية قراراتها دفاعًا عن صياغة كيرلس «طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد»، فانفصلت عن القسطنطينية وروما — نقطة تحول رسمت تاريخها اللاحق.
الرهبنة المصرية
من براري مصر خرجت الرهبنة للعالم: الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان (نحو 251-356م) في البرية الشرقية، وباخوميوس مؤسس الشركة الرهبانية في الصعيد، ومقاريوس الكبير في وادي النطرون. جاء يوحنا كاسيان وغيره من الغرب ليتعلموا، فنقلوا النظام الرهباني إلى أوروبا. دير الأنبا أنطونيوس ودير الأنبا بيشوي وغيرها أديرة عامرة منذ القرن الرابع حتى اليوم.
العصور الإسلامية
دخل العرب مصر (641م)، فعاشت الكنيسة تحت أنظمة متغيرة: فترات سماح وفترات ضيق وضرائب واضطهادات. استمرت البطريركية، وانتقل المقر إلى القاهرة في القرن الحادي عشر، وحفظت الكنيسة هويتها باللغة القبطية في الطقوس وبالتعليم الكنسي ومدارس الآحاد.
العصر الحديث
شهد القرن العشرون نهضة: مدارس الأحد التي أحياها حبيب جرجس، وحركة التعليم الكنسي، وازدهار الأديرة، وخدمة البابا كيرلس السادس (1959-1971) وشفيعه مارمينا، ثم البابا شنوده الثالث (1971-2012) الذي وسّع الأسقفيات والإرساليات في كل قارة، والبابا تواضروس الثاني منذ 2012. وصارت الكنيسة القبطية عالمية: كاتدرائيات وأديرة ومدارس في الأمريكتين وأوروبا وأستراليا وأفريقيا.
بين التاريخ والتقليد
التواريخ والأحداث الكبرى (التأسيس المارقسي، الاضطهادات، المجامع) موثقة في مصادر كنسية وتاريخية مثل يوسابيوس وسجلات المجامع. أما تفاصيل معجزات الشهداء وبعض قصص القديسين فمن التقليد الكنسي والسنكسار، وتُقرأ كشهادة إيمان الكنيسة عبر الأجيال.
إعداد وتحرير: فريق الينبوع
